محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
145
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
فإنَّه حديثٌ متَّفقٌ على صحَّته وشهرته في ذلك العصر ، وإنَّه ما قدح فيه مِنَ القُدماء أحدٌ ، بل قال الذَّهبي في ترجمة عمار مِنَ " النُّبلاء " ( 1 ) : إنَّه حديثٌ متواتر ، فأمَّا معاويَةُ ، فتأوّله بتأويلِ باطلٍ أنَّ علياً وأصحابه هُمُ الَّذين قتلوه وجاءوا به حتى ألقَوهُ بين رماحنا ، رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص ( 2 ) ، وقد أجاب عبدُ الله بنُ عمرو بأنَّه يلزمُ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلُ عمِّه حَمْزَةَ ، وشهداء بَدْرٍ وأحد ، فَأَفْحَمَهُ ( 3 ) . وأمَّا عمرو ، فلم يتأوَّلْهُ ، وفزِعَ فزعاً شديداً كما فَزِعَ عندَ موته ( 4 ) . فمَن نظر إلى القرائن الخاصَّة المقوِّية لِعدم التَّأويل رجَّحها ، وأقواها
--> ( 1 ) 1 / 421 . ( 2 ) أخرجه أحمد 4 / 199 من طريق عبد الرزاق ، وهو في " مصنفه " ( 20427 ) عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : لما قتل عمار ، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال : قتل عمار ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تقتله الفئة الباغية " فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ما شأنك ؟ قال : قُتل عمار ، فقال معاوية . قد قُتل عمار ، فماذا ؟ قال عمرو : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " تقتله الفئة الباغية " فقال له معاوية : دحضت في بولك ، أو نحنُ قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا ، أو قال : بين سيوفنا . قلت : وإسناده صحيح . وقوله : " دحضت في بولك " أي : زللت وزلقت . وأخرج أحمد 2 / 164 و 206 ، وابن سعد في " الطبقات " 3 / 253 من طريق يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، حدثني أسود بن مسعود ، عن حنظلة بن خويلد العنبري قال : بينما نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ، يقول كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال عبد الله بن عمرو : ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " تقتله الفئة الباغية " ، قال : فقال معاوية : ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ، فما بالك معنا ؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : " أطعْ أباك حيّاً ولا تعصه " فأنا معكم ولست أقاتل . وإسناده صحيح . و " تغني " : من الإغناء ، يريد ألاَّ تصرفه عنا وتكفه . ( 3 ) نقل المناوي في " فيض القدير " 6 / 366 عن القرطبي : أن الذي أجاب معاوية هو علي ، وقال ابن دحية : وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه ، ولا اعتراضَ عليه . ( 4 ) انظر " صحيح مسلم " ( 121 ) كتاب الإيمان ، باب : كون الإسلام يهدم ما قبله ، وفيه يقول عمرو : ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها .